ادعوا علي بصيرة


 
الرئيسيةالبوابةالأعضاءس .و .جمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 اهمية النية في القران

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طريق الإيمان

¤° أدارة المنتديات °¤<
¤° أدارة المنتديات °¤
avatar

عدد الرسائل : 229
توقيع المنتدى :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 17
تاريخ التسجيل : 18/07/2008

مُساهمةموضوع: اهمية النية في القران   الأربعاء أكتوبر 28, 2009 11:33 am

والقرآن يعبر عن هذه النية المشروطة بعبارات مختلفة مثل: إرادة الآخرة، أو إرادة وجه الله، أو ابتغاء وجهه، أو ابتغاء مرضاته.

يقول تعالى: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة).

(ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها).

(من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون).

فهؤلاء هم عبيد الدنيا، الذين جعلوا لها كل إرادتهم وسعيهم.

(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا).

قسمت الآيتان الناس إلى قسمين: مريد العاجلة، وهي الدنيا، بمعنى أنه ليس له هدف سواها، ومصيره ما ذكرت الآية: جهنم، ومريد الآخرة، الذي جعلها هدفه، وسعى لها سعيها، فمصيره ما ذكرت الآية.

الجزاء إذن مرتب على "الإرادة" و"المراد"، فخبرني: ما مرادك وقصدك؟ أخبرك: ما مصيرك وجزاؤك!

وهذا المعنى تكرر في القرآن: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب).

(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه).

(وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون).

(وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتى ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى).

(وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله).

(ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله).. الآية.

(لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما).

وأود أن أنبه هنا: أنه لا تعارض بين إرادة الله تعالى وإرادة الآخرة، بل لا ثنائية، فلا معنى لتعليق من علق على قوله تعالى: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) بقوله: فأين من يريد الله؟ لأن الذين يريدون الآخرة ما أرادوا إلا الله، فإرادة الآخرة تعني: إرادة مثوبته ورضوانه، ورجاء ما عنده سبحانه.

ولا يعاب المخلص بأنه يرجو الجنة ويخاف النار، فقد وصف القرآن الأنبياء والصالحين بالرجاء والخوف، والرغب والرهب، وليس بعد القرآن بيان.

والجنة ليست دار النعيم الحسي فحسب، بل هي دار الرضوان الأكبر، والتنعم بالنظر إلى وجه الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة) فأما الكفار فإنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، وهذا الحجاب هو أقسى العذاب.


اههمية النيه فى السنه
أما السنة فقد ورد فيها الكثير في فضل النية والإخلاص، أذكر منها بعض ما انتقيته مما ذكره الإمام المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب"، وقد بدأها وبدأ كتابه كله بحديث الثلاثة أصحاب الغار، وهو حديث متفق عليه، وسأذكره بعد، عند الحديث عن ثمرات الإخلاص.

وثنى بحديث أبى أمامة: فيمن سأل عمن غزا يلتمس الأجر والذكر (أي الأجر من الله والذكر عند الناس) وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات: "لا شيء له"! ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، وابتغى به وجهه" (رواه النسائي بإسناد جيد، وسيأتي بلفظه).

ثم ثلث بحديث عمر المشهور: "إنما الأعمال بالنية ـ وفي رواية: بالنيات ـ وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (رواه البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم". قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: "يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم" (رواه البخاري ومسلم وغيرهم).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يبعث الناس على نياتهم" (رواه ابن ماجه بإسناد حسن)، ورواه أيضا من حديث جابر إلا إنه قال: "يحشر الناس".

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا، حبسهم العذر" (رواه البخاري، وأبو داود)، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم" قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: "حبسهم المرض".

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم" (رواه مسلم).

وعن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه" قال: "ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر" (أو كلمة نحوها).

"وأحدثكم حديثا فاحفظوه" قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعلمت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا، ولم يرزقه علما، يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء" (رواه أحمد والترمذي واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح).

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها اكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، إلى سبعمائة" (رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم).

وفي رواية لمسلم قال: عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل: "إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها، وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جراي".

قوله: "من جراي" ـ بفتح الجيم وتشديد الراء ـ : أي من أجلي.

وعن معن بن يزيد رضي الله عنهما قال: كان أبي "يزيد" أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: "لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن" (رواه البخاري).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: "قال رجل: لأتصدقن [الليلة] بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني، فأتى (أي في المنام) فقيل له: أما صدقتك على سارق: فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية، فلعلها أنت تستعف من زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر، فينفق مما أعطاه الله" (رواه البخاري ـ واللفظ له ـ ومسلم والنسائي)، وقالا فيه: "أما صدقتك فقد تقبلت" ثم ذكر الحديث.

دلت هذه الأحاديث الوفيرة وغيرها ـ مع ما جاء في كتاب الله ـ على قيمة النية وأهميتها في الدين، وأن روح العمل هي "النية"، ولكن ما هي النية التي رتبت عليها الأحاديث كل هذه النصائح؟




حقيقة النية

قال الجوهري في الصحاح: النية العزم.

وقال الخطابي: هي قصدك الشيء بقلبك، وتحرى الطلب منك له.

وقال البيضاوي: هي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض، من جلب نفع، أو دفع ضر، حالا أو مالا.

قال: والشرع خصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل، ابتغاء لوجه الله تعالى، وامتثالا لحكمه.

وقال العراقي في شرح التقريب: اختلف في حقيقة النية، فقيل: هي الطلب، وقيل: الجد في الطلب، ومنه قول ابن مسعود: من ينو الدنيا تعجزه، أي من يجد في طلبها.

وقال الزركشي في قواعده: حقيقة النية ربط القصد بمقصود معين، والمشهور: أنها مطلق القصد إلى الفعل.

وقال المارودي: النية قصد الشيء مقترنا بفعله، فإن قصده وتراخى عنه فهو عزم.

إلى الفهرس



النية إرادة جازمة

ولا ريب أن النية التي صحت بها الأحاديث النبوية، التي سقنا عددا منها، وترتب عليها الجزاء ثوابا وعقابا ـ وإن لم يقترن بها عمل ـ إنما تتمثل في الإرادة الجازمة المصممة المتوجهة نحو الفعل، خيرا كان أم شرا، واجبا أو مستحبا، أو محظورا، أو مكروها، أو مباحا، ولهذا تكون أحيانا نية صالحة محمودة، وأحيانا نية سيئة مذمومة، حسب المنوى: أي شيء هو؟ وحسب المحرك الباعث: أهو الدنيا أم الآخرة؟ أهو وجه الله أم وجوده الناس؟

وليست النية إذن مجرد خاطرة تطرأ على القلب لحظة ثم لا تلبث أن تزول، فلا ثبات لها، يقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله عفا عن أمتي ما حدثت بها أنفسها، ما لم تعمل به، أو تتكلم به"، وهذا يؤيد ما قاله بعضهم من أن النية ليست مجرد الطلب، بل الجد في الطلب.

وعلى هذا الأساس رأينا في الحديث: الفقير الذي لا مال له، يحصل ـ ببصيرته وصدق نيته ـ أجر الغنى الذي أنفق وتصدق في سبيل الله، قال: "فهما في الأجر سواء".

ورأينا في مقابله: الفقير الذي عاش حياته في الفقر والبؤس، يحصل ـ بغبائه وسوء نيته ـ وزر الغني الذي أنفق ماله في الشهوات ومعصية الله.

كما رأينا الحديث يحكم على المسلمين المقتتلين بأنهما في النار، القاتل بقتله، والمقتول، لأنه كان حريصا على قتل صاحبه، وذلك إذا كان اقتتالهما لأجل الدنيا.





النية محلها القلب

وهذه النية عمل قلبي خالص، وليست من أعمال اللسان، ولذا لم يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا عن تابعيهم بإحسان من سلف الأمة: التلفظ بالنية في العبادات، مثل الصلاة والصيام والغسل والوضوء، ونحوها، وهو ما نرى بعض الناس يجهدون أنفسهم في الإتيان به، مثل قولهم: نويت رفع الحدث الأصغر أو الأكبر، أو نويت صلاة الظهر أو العصر أربع ركعات على لله العظيم، أو نويت الصيام غدا في شهر رمضان.. الخ، وكل هذا لم يأت به قرآن ولا سنة. ولا معنى له، إذ لا يقول الإنسان إذا أراد الذهاب إلى السوق: نويت الذهاب إلى السوق، أو إذا نوى السفر: نويت السفر! ونقل الزركشي عن الغزالي في فتاويه قوله: أمر النية سهل في العبادات، وإنما يتعسر بسبب الجهل بحقيقة النية أو الوسوسة.





الأعمال بمقاصدها

ولأهمية النية في توجيه العمل وتكييفه وتحديد نوعه وقيمته، استنبط العلماء قاعدة فقهية من أرسخ قواعد الفقه، التي عنيت بها كتب القواعد والأشباه والنظائر، وهي: الأمور بمقاصدها، وفرعوا عليها فروعا كثيرة، منها: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني.

ومن فروعها ما عبر عنه الحديث: "إن الله عفا لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

كما استشهد الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" على إبطال "الحيل" التي ينسب إلى بعض الفقهاء الإفتاء بجوازها، ومعناها: أن العبرة بالصورة لا بالحقيقة، وبالشكل لا بالجوهر، وباللفظ لا بالمعنى.

وهذا ما رفضه المحققون من العلماء، وأقاموا عليه الأدلة الناصعة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هدي الصحابة وسلف الأمة.





تنوع جزاء العمل الواحد بتنوع نيته

ومن تأثير النية في الأعمال: أن العمل الواحد يتنوع حكمه الشرعي، وقيمته الأخلاقية، وجزاؤه الأخروي، تبعا لنية صاحبه.

ومن الأمثلة التي ذكرها الحديث لذلك، اقتناء الخيل، فهي لرجل واحد، ولآخر وزر، ولثالث ستر، أو كما سماها حديث آخر: "فرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان" وما ذلك إلا بسبب النية والقصد.

روى الإمام أحمد عن رجل من الأنصار مرفوعا: "الخيل ثلاثة: فرس يرتبطه الرجل في سبيل الله، فثمنه أجر، وركوبه أجر، وعاريته أجر.. وفرس يغالق عليه الرجل ويراهن (فرس القمار)، فثمنه وزر، وركوبه وزر.. وفرس للبطنة، فعسى أن يكون سدادا من الفقر إن شاء الله".

وروى عن ابن مسعود: "الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن، فالذي يرتبط في سبيل الله عز وجل، فعلفه وبوله وروثه ـ وذكر ما شاء الله ـ (يعني في ميزان صاحبه حسنات كما صح في حديث آخر)، وأما فرس الشيطان فالذي يقامر عليه ويراهن، وأما فرس الإنسان، فالفرس يرتبطها الإنسان، يلتمس بطنها (أي نتاجها) فهي ستر من فقر".

وقد جاء هذا التقسيم الثلاثي في الصحيحين من حديث أبي هريرة.

وقال الحافظ السيوطي: قال العلماء: النية تؤثر في الفعل، فيصير بها تارة حراما، وتارة حلالا، وصورته واحدة، كالذبح مثلا، فإنه يحل الحيوان إذا ذبح لأجل الله، ويحرمه إذا ذبح لغير الله، والصورة واحدة.

وقال المحقق ابن القيم في كتاب "الروح": الشيء الواحد تكون صورته واحدة، وهو ينقسم إلى محمود ومذموم، فمن ذلك: التوكل والعجز، والرجاء والتمني، والحب لله والحب في الله، والنصح والتأنيب (التشهير)، والهدية والرشوة، والإخبار بالحال والشكوى، فإن الأول من كل ما ذكر محمود، وقرينه مذموم، والصورة واحدة، ولا فارق بينهما إلا القصد.





النية ومقاصد الشريعة

وفي "إعلام الموقعين" أسهب ابن القيم في بيان أهمية النية والقصد في تحديد قيمة العمل، وأن العملية قد تكون صورتهما واحدة، وهذا قربة صحيحة وهذا معصية باطلة. وذلك بسبب النية والقصد.

"من ذلك: عصر العنب بنية أن يكون خمرا معصية، ملعون فاعله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعصره بنية أن يكون خلا أو دبسا جائز وصورة الفعل واحدة.

وكذلك السلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلما حرام باطل لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله فهو طاعة وقربة.

وكذلك عقد النذر المعلق على شرط ينوي به التقرب والطاعة، فيلزمه الوفاء بما نذره، وينوي به الحلف والامتناع فيكون يمينا مكفرة.

وكذلك تعليق الكفر بالشرط ينوي به اليمين، والامتناع فلا يكفر بذلك، وينوي به وقوع الشرط فيكفر عند وجود الشرط وصورة اللفظ واحدة.

وكذلك ألفاظ الطلاق صريحها وكنايتها ينوي بها الطلاق فيكون ما نواه، وينوي به غيره فلا تطلق.

وكذلك قوله "أنت عندي مثل أمي" ينوي به الظهار فتحرم عليه، وينوي به أنها مثلها في الكرامة فلا تحرم عليه.

وذلك من أدى عن غيره واجبا ينوي به الرجوع ملكه، وإن نوى به التبرع لم يرجع.

وهذه كما أنها أحكام الرب تعالى في العقود، فهي أحكامه تعالى في العبادات والمثوبات والعقوبات، فقد اطردت سنته بذلك في شرعه وقدره.

أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره، فإن القربات كلها مبناها على النيات، ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد، ولهذا لو وقع في الماء ولم ينو الغسل، أو دخل الحمام للتنظيف، أو سبح للتبرد، لم يكن غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق، فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له، وإنما لامرئ ما نوى.

ولو أمسك عن المفطرات عادة واشتغالا ولم ينو القربة، لم يكن صائما.

ولو دار حول البيت يلتمس شيئا سقط منه لم يكن طائفا.

ولو أعطى الفقير هبة أو هدية ولم ينو الزكاة لم يحسب زكاة.

ولو جلس في المسجد ولم ينو الاعتكاف لم يحصل له.

وهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والامتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب، ولهذا لو جامع أجنبية يظنها زوجته لم يأثم بذلك، وقد يثاب بنيته.

ولو جامع في ظلمة من يظنها أجنبية، فبانت زوجته أثم على ذلك بقصده ونيته للحرام.

ولو أكل طعاما حراما يظنه حلالا لم يأثم به، ولو أكله وهو حلال يظنه حراما وقد أقدم عليه أثم بنيته.

وكذلك لو قتل من يظنه مسلما معصوما فبان كافرا حربيا أثم بنيته، ولو رمى صيدا فأصاب معصوما لم يأثم، ولو رمى معصوما فأخطأه وأصاب صيدا أثم، ولهذا كان القاتل والمقتول من المسلمين في النار لنية كل واحد منهما قتل صاحبه.

فالنية روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".

فبين في الجملة الأولى: أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية.

ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والإيمان والنذور وسائر العقود والأفعال.

وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع.

وأن من نوى بعقد النكاح التحليل كان محللا، ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح، لأنه قد نوى ذلك، وإنما لامرئ ما نوى، فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان، والثانية معلومة بالنص.

وعلى هذا فإذا نوى بالعصر حصول الخمر كان له ما نوى، ولذلك استحق اللعنة.

وإذا نوى بالفعل التحيل على ما حرمه الله ورسوله، كان له ما نواه، فإنه قصد المحرم وفعل مقدوره في تحصيله، ولا فرق في التحيل على الحرم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له، لا في عقل ولا في شرع، ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه وحماه منه فتحيل على تناوله عد متناولا لنفس ما نهي عنه".





أثر النية في المباحات والعاديات

ومن أهم ما تؤثر فيه النية: المباحات والعاديات، فإنها تتحول بالنية إلى عبادات وقربات، فالعمل لكسب الرزق في زراعة أو صناعة أو تجارة أو حرفة أو وظيفة، يغدو عبادة وجهادا في سبيل الله، إذا كان عمله ليعف نفسه عن الحرام، ويغنيها بالحلال.

والأكل والشرب واللبس والتجمل كذلك، إذا كان يستعين بذلك على طاعة الله، وأداء واجبه نحو ربه وأهله وأمته، وإظهارا لنعمة الله عليه، ففي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".

وقد مر بنا حديث سعد بن أبي وقاص: أن المؤمن يؤجر في كل عمل يبتغي به وجه الله، حتى في اللقمة يرفعها إلى فم امرأته.

وأعجب من ذلك: أن شهوة الجنس إذا قضاها المؤمن في الحلال، كان له فيها أجر ومثوبة عند الله، وفي هذا جاء الحديث الصحيح: "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر".





النية لا تؤثر في الحرام

وإذا كان هذا هو تأثير النية في كل تلك المجالات، فمن المتفق عليه أنها لا تؤثر في الحرام، فحسن النية، وشرف القصد، لا يحيل الحرام حلالا، ولا ينزع منه صفة الخبث التي هي أساس تحريمه.

فمن أكل الربا، أو اغتصب مالا، أو اكتسبه بأي طريق محظور، بنية أن يبني به مسجدا أو ينشئ دارا لكفالة اليتامى، أو يؤسس مدرسة لتحفيظ القرآن، أو ليتصدق بهذا المال الحرام على الفقراء وأهل الحاجة، أو غير ذلك من وجوه الخير، فإن هذه النية الطيبة لا أثر لها، ولن تخفف عنه وزر الحرام، فقد أكدت الأحاديث الصحيحة: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا".

وفي حديث ابن مسعود: "إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث".

والحرام لا تطهره الصدقة ببعضه، بل لابد من الخروج عنه كله، ثم إن المال الحرام ليس مملوكا لحائزه حتى يجوز له التصدق منه، بل هو مملوك لصاحبه الأصلي، فلا يقبل منه إلا أن يرده إليه أو إلى ورثته.

وبهذا يتبين لنا أن الإسلام يرفض مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، ولا يقبل إلا الوسيلة النظيفة للغاية الشريفة، فلابد من شرف الغاية وطهارة الوسيلة معا.




إخلاص النية أساس القبول

ولابد من استحضار النية من تجريدها من كل الشوائب والرغبات الذاتية والدنيوية، وإخلاصها لله تعالى في كل عمل من أعمال الآخرة، حتى يجوز القبول عند الله.

ذلك أن لكل عمل صالح ركنين لا يقبل عند الله إلا بهما:

أولهما: الإخلاص وتصحيح النية.

وثانيهما: موافقة السنة ومنهاج الشرع.

وبالركن الأول تتحقق صحة الباطن، وبالثاني تتحقق صحة الظاهر، وقد جاء في الركن الأول قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"، فهذا هو ميزان الباطن.

وجاء في الركن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" أي مردود على صاحبه، وهذا ميزان الظاهر.

وقد جمع الله الركنين في أكثر من آية في كتابه، فقال تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى)، (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن).

وإسلام الوجه لله: إخلاص القصد والعمل له.. والإحسان فيه: أداؤه على الصورة المرضية شرعا، ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته.

وقد مر بنا قول الفضيل بن عياض: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا وصوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة .. ثم قرأ الفضيل قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحد).

ومما روى عن ابن مسعود: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا مما وافق السنة.

وقال ابن عجلان: لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة، والإصابة (يعني: أن يؤدي على وجه الصواب شرعا).

نعلم مما تقدم أن إخلاص النية لا يكفي وحده لقبول العمل، ما لم يكن موافقا لما جاء به الشرع وصحت به السنة، كما أن ورود الشرع بالعمل لا يرقى به إلى درجة القبول ما لم يتحقق فيه الإخلاص، وتجريد النية لله عز وجل، وأي عمل من أعمال الآخرة فقد الإخلاص، فلا قيمة له في ميزان الحق، يقول ابن عطاء الله: الأعمال صور قائمة (كالتماثيل) وروحها وجود سر الإخلاص فيها.

بدون الإخلاص إذن لا يقبل عمل مهما يكن ظاهره الخير والصلاح.





بناء المسجد لغرض فاسد

وأضرب لذلك مثلين:

الأول: هو بناء مسجد.

فلا ريب أن للمسجد مكانته وأثره في الحياة الإسلامية، فهو دار للعبادة، ومدرسة للدعوة، ومنتدى للتعارف، ولهذا حث الإسلام على إنشاء المساجد وعمارتها، والعناية بها، ووعد على ذلك بأجزل المثوبة عند الله، حتى جاء في الحديث: "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة".

ولكن الحديث النبوي الشريف ينبهنا على أن هذا الثواب لمن بنى مسجدا "يبتغي به وجه الله" لا لكل من بنى مسجدا.. فإذا كان بناء المسجد لغرض فاسد، وقصد سيئ، فإنه يكون وبالا على من أقامه وأسسه، إن النية الخبيثة تنضح على هذا العمل الطيب فتنحرف به، وتحيل خيره شرا، وأجره وزرا.

وفي هذا الأمر جاءت قصة "مسجد الضرار" التي نزل فيها قرآن يتلى، ليبين للناس أن "النوايا الشريرة" تفسد المؤسسات الصالحة، وتذهب بكل ما فيها من خير، ونعني بالمؤسسات الصالحة: التي تتخذ الصلاح عنوانا لها ومظهرا، أو التي يفترض فيها الصلاح والخير والتقوى، قال تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبدا، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين).





الجهاد لغرض دنيوي

والمثل الثاني: هو الجهاد.

وهو أفضل عبادة يتطوع بها مسلم ويتقرب إلى ربه بها، ومع هذا لا يقبله الله حتى يخلص من كل الشوائب الدنيوية، مثل مراءاة الناس، أو إظهار الشجاعة، أو الحمية للعشيرة أو الأرض أو نحو ذلك.

وإن المرء قد يلبس لبوس المجاهدين، ويقاتل في صفوفهم، حتى يقتل على أيدي الكفار ثم لا يعد عند الله شهيدا، وما ذلك إلا لأن نيته لم تتجرد لإعلاء كلمة الله، وداخلتها مقاصد وبواعث أخرى.

وقد جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري: أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ومفهوم هذا: أن كل قتال آخر ليس في سبيل الله.





صعوبة تحقيق الإخلاص

ولا تحسبن يا أخي المسلم أن التحقق بالإخلاص أمر يسير، وأنه في متناول اليد لكل من أراد، وأن تحصيله ممكن بأدنى جهد وبلا معاناة ولا مجاهدة، فهذا بعيد عن الحقيقة.

والواقع أن تحقيق الإخلاص ليس بالأمر الهين، كما يظن بعض الذين يتعاملون مع السطوح لا مع الأعماق، ومع القشور لا مع اللباب.

فقد أكد العارفون من سالكي الطريق إلى الله تعالى: صعوبة الإخلاص، ومشقته على أنفس الخلق، إلا على من يسره الله تعالى عليه.

وذلك لأن الإخلاص ـ كما قلنا ـ يتضمن أمرين: استحضار النية، وتحريرها من الشوائب.

أما استحضار النية في العمل، فهو مهم، ولا يكفي أن يؤدي الإنسان العمل "أتوماتيكيا" دون أن تحضره النية وتلونه وتوجهه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات". ويقول: "إنما يبعث الناس على نياتهم".

وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر: لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسبة له، يعني: من لم يعمل العمل احتسابا لله.

وروى عن ابن مسعود أنه قال: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية.

وقال يحيى بن أبي كثير: تعلموا النية، فإنها أبلغ من العمل.

وقال سفيان الثوري: ما عالجت شيئا أشد على من نيتي، لأنها تنقلب علي.

وقال زبيد اليامي: إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء، حتى في الطعام والشراب.

وقال أيضا: انو في كل شيء تريده الخير، حتى خروجك إلى الكناسة.

وقال داود الطائي: رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية، وكفاك به وإن لم تنصب.

وقال مطرف بن عبدالله: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية.

وقال يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد.

وقال: إيثار الله عز وجل أفضل من القتل في سبيله.

وقيل لنافع بن جبير: ألا تشهد الجنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي، ففكر هنيهة، ثم قال: امض.

وقال عبدالله بن المبارك: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية.

وقال الفضيل بن عياض: إنما يريد الله منك نيتك وإرادتك.

وقال بعض السلف: من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته، فإن الله عز وجل يأجر العبد إذا حسنت نيته، حتى باللقمة.

وقال الثوري: كانوا يتعلمون النية للعمل، كما تتعلمون العمل.

وقال بعض العلماء: اطلب النية للعمل قبل العمل، ومادمت تنوي الخير فأنت بخير.

وكان بعض المريدين يطوف على العلماء يقول: من يدلني على عمل لا أزال فيه عاملا لله تعالى، فإني لا أحب أن يأتي علي ساعة من ليل أو نهار، إلا وأنا عامل من عمال الله. فقيل له: قد وجدت حاجتك، فاعمل الخير ما استطعت، فإذا فترت ـ أو تركته ـ فهم بعمله (أي انوه) فإن الهام بعمل الخير كعامله.

وأما تجريد النفس من أهوائها الظاهرة والخفية، وتصفية النية من الشوائب والرغبات الذاتية والدنيوية، فما أشقه على النفس وما أقساه! فإنه انتصار على الأنانية وحب الذات، وحب الدنيا، وفناء النفس عن حظوظها وأغراضها العاجلة، وإنه ـ لو تعلمون ـ عظيم!

ولهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة للنفس، ومراقبة دائمة لمداخل الشيطان إليها، وتنقية لها من عوامل الدغل والرياء، وحب الجاه والظهور، وحب المنافع الشخصية، وهي عوامل غلابة ذات سلطة وتأثير على النفس البشرية، ولهذا سئل أحد الربانيين، وهو سهل بن عبدالله التستري: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب.

وقال غيره: تخليص النيات أشد على العاملين من جميع الأعمال.

وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا والإخلاص، وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، فكأنه ينبت فيه على لون آخر.

بل بالغ بعضهم فقال: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى!!

وقال بعضهم: في إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز!

وذلك لغلبة حظوظ النفس على العاملين، وصعوبة التجرد من أهوائها، ولهذا اشترط القرآن خلوص المنافق من نفاقه، وانضمامه إلى قافلة المؤمنين: أن يخلص دينه لله، قال تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا، إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين)، فلم يكتف منهم بالتوبة، والإصلاح والاعتصام بالله، حتى يخلصوا دينهم لله.

وكان عمر رضي الله عنه يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا.

وكان من دعاء مطرف بن عبدالله: اللهم إني استغفرك مما تبت إليك منه، ثم عدت فيه. واستغفرك مما جعلته لك على نفسي، ثم لم أف لك به. واستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد علمت!

وقال محمد بن سعيد المروزي: الأمر كله يرجع إلى أصلين: فعل منه تعالى بك، وفعل منك له، والمطلوب منك في فعله: الرضا بما فعل، وفي فعلك: الإخلاص فيما تعمل، فإذا أنت قد سعدت بهذين، وسعدت في الدارين.

ومن الناس من تراه فتظنه يعمل للإسلام بحرارة وصدق، بل ربما ظن هو نفسه كذلك، فإذا فتشت عن قلبه وسبرت حقيقة نواياه، وجدته طالب دنيا في ثوب صاحب دين، يعمل لنفسه، وهو يوهم غيره ـ وربما يوهم نفسه ـ أنه يعمل لربه!

إن الله لا يقبل القلب المدخول، ولا يقبل العمل المدخول، إنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه.





أهمية الإخلاص للدعاة والعلماء

ومن هنا كان على كل من يدعو الإسلام، ويعمل لنصرته أن يحلل بواعثه ونواياه بصدق ولا يكذب على نفسه، ولا على ربه، فقد قال الإمام الغزالي بحق بعد أن ذكر فتنة حب الجاه والظهور والشهرة والمحمدة عند الناس:

"وأشد الخلق تعرضا لهذه الفتنة العلماء، فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح بالاستتباع، والاستبشار بالحمد والثناء، والشيطان يلبس عليهم ذلك، ويقول: غرضكم نشر دين الله، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترى الواعظ يمن على الله تعالى بنصيحة الخلق، ووعظه للسلاطين، ويفرح بقبول الناس قوله وإقبالهم عليه، وهو يدعي أنه يفرح بما يسر له من نصرة الدين، ولو ظهر من أقرانه من هو أحسن منه وعظا، وانصرف الناس عنه وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغمه، ولو كان باعثه الدين لشكر الله تعالى، إذ كفاه الله تعالى هذا المهم بغيره، ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه، ويقول: إنما غمك لانقطاع الثواب عنك لا لانصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك، إذ لو اتعظوا بقولك لكنت أنت المثاب، واغتمامك لفوات الثواب محمود، ولا يدري المسكين أن انقياده للحق، وتسليمه الأمر أفضل وأجزل ثوابا، وأعود عليه في الآخرة من انفراده.

فمعرفة حقيقة الإخلاص والعمل به بحر عميق، يغرق فيه الجميع، إلا الشاذ النادر والفرد الفذ، وهو المستثنى في قوله تعالى: (إلا عبادك منهم المخلصين). وسننقل كلامه كله فيما بعد.

_________________
كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان الى الرحمن
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.7olm.org
 
اهمية النية في القران
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ادعوا علي بصيرة ::  بوابة المنتدى (الضوابط والترحيب) :: قضايا الأمة الأسلامية-
انتقل الى: